فصل: تفسير الآية رقم (71)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏ياأيها النبى قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم‏}‏ أي في ملكتكم واستيلائكم كأن أيديكم قابضة عليهم ‏{‏مّنَ الاسرى‏}‏ الذين أخذتم منهم الفداء، وقرأ أبو عمرو‏.‏ وأبو جعفر من ‏{‏الأسارى‏}‏ ‏{‏الاسرى إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً‏}‏ إيماناً وتصديقاً كما قال ابن عباس ‏{‏يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ‏}‏ من الفداء‏.‏

والآية على ما في رواية ابن سعد‏.‏ وابن عساكر نزلت في جميع أسارى بدر وكان فداء العباس منهم أربعين أوقية وفداء سائرهم عشرين أوقية، وعن محمد بن سيرين أنه كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً وستة دنانير‏.‏

وجاء في رواية أنها نزلت في العباس رضي الله تعالى عنه، وقد روي عنه أنه قال‏:‏ كنت مسلماً لكن استكرهوني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن يكن ما تذكر حقاً فالله تعالى يجزيك فإما ظاهر أمرك فقد كان علينا فاد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحرث‏.‏ وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو فقلت‏:‏ ما ذاك عندي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ فأين الذي دفنت أنت وأم الفضل‏؟‏ فقلت لها‏:‏ إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله وقثم فقلت‏:‏ وما يدريك فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أخبرني ربي فعند ذلك قال العباس‏:‏ أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك رسول الله إنه لم يطلع على ذلك أحد إلا الله تعالى ولقد دفعته إليها في سواد الليل» وروى عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال بعد حين‏:‏ أبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربكم بتأويل ما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ فإنه وعد بالمغفرة مؤكد بالاعتراض التذييلي، وروي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مال البحرين ثمانون ألفاً فتوضأ صلى الله عليه وسلم وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله، وكان رضي الله تعالى عنه يقول‏:‏ هذا خير مما أخذ مني وأرجو المغفرة، والظاهر أن الآية عامة لسائر الأسارى على ما يقتضيه صيغة الجمع، ولا يأبى ذلك رواية أنها نزلت في العباس لما قالوا من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‏.‏

وقرأ الأعمش ‏{‏الله خَيْرًا‏}‏ والحسن وشيبة ‏{‏مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ‏}‏ على البناء للفاعل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏71‏]‏

‏{‏وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِن يُرِيدُواْ‏}‏ أي الأسرى ‏{‏خِيَانَتَكَ‏}‏ أي نقض ما عاهدوك عليه من إعطاء الفدية أو أن لا يعودوا لمحاربتك ولا إلى معاضدة المشركين، ويجوز أن يكون المراد وإن يريدوا نكث ما بايعوك عليه من الإسلام والردة واستحباب دين آبائهم ‏{‏فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ‏}‏ بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ على كل عاقل بل ادعى بعضهم أنه الأقرب ‏{‏فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ‏}‏ أي أقدرك عليهم حسبما رأيت في بدر فإن أعادوا الخيانة فاعلم أنه سيمكنك الله تعالى منهم أيضاً فالمفعول محذوف، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَقَدْ خَانُواْ‏}‏ قائم مقام الجواب، والجملة كلام مسوق من جهته تعالى لتسليته عليه الصلاة والسلام بطريق الوعد له صلى الله عليه وسلم والوعيد لهم، ‏{‏والله عَلِيمٌ‏}‏ فيعلم ما في نياتهم وما يستحقونه من العقاب ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ يفعل كل ما يفعله حسبما تقتضيه حكمته البالغة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏72‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ‏}‏ هم المهاجرون الذين هجروا أوطانهم وتركوها لأعدائهم في الله لله عز وجل ‏{‏وجاهدوا بأموالهم‏}‏ فصرفوها للكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج من المسلمين ‏{‏وَأَنفُسِهِمْ‏}‏ بمباشرةِ القتال واقتحام المعارك والخوض في لجج المهالك ‏{‏فِى سَبِيلِ الله‏}‏ قيل‏:‏ هو متعلق بجاهدوا قيد لنوعي الجهاد، ويجوز أن يكون من باب التنازع في العمل بين هاجروا وجاهدوا ولعل تقديم الأموال على الأنفس لما أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعاً وأتم دفعاً للحاجة حيث لا يتصور المجاهدة بالنفس بلا مجادة بالمال، وقيل‏:‏ ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع فإن الأول الإيمان ثم الهجرة ثم الجهادب المال لنحو التأهب للحرب ثم الجهاد بالنفس ‏{‏والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ‏}‏ هم الأنصار آووا المهاجرين وأنزلوهم منازلهم وآثروهم على أنفسهم ونصروهم على أعدائهم ‏{‏أولئك‏}‏ أي المذكورون الموصوفون بالصفات الفاضلة، وهو مبتدأ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَعْضُهُمْ‏}‏ إما بدل منهم، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَوْلِيَاء بَعْضٍ‏}‏ خبر وإما مبتدأ ثان و‏{‏أَوْلِيَاء‏}‏ خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول أي بعضهم أولياء بعض في الميراث على ما هو المروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما‏.‏ والحسن‏.‏ ومجاهد‏.‏ والسدي‏.‏ وقتادة فإنهم قالوا‏:‏ آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة، فالولاية على هذا الوراثة المسببة عن القرابة الحكمية‏.‏

والآية منسوخة، وقال الأصم‏:‏ هي محكمة، والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة وكأنه لم يسمع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَلَيْكُمُ النصر‏}‏ بعد نفي موالاتهم في الآية الآتية ‏{‏والذين ءامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ‏}‏ كسائر المؤمنين ‏{‏مَا لَكُم مّن ولايتهم مّن شَىْء‏}‏ أي توليهم في الميراث وإن كانوا أقرب ذوي قرابتكم ‏{‏حتى يُهَاجِرُواْ‏}‏ وحينئذٍ يثبت لهم الحكم السابق‏.‏ وقرأ حمزة‏.‏ والأعمش‏.‏ ويحيى بن وثاب ‏{‏ولايتهم‏}‏ بالكسر، وزعم الأصمعي أنه خطأ وهو المخطىء فقد تواترت القراءة بذلك، وجاء في اللغة الولاية مصدراً بالفتح والكسر وهما لغتان فيه بمعنى واحد وهو القرب الحسي والمعنوي كما قيل، وقيل‏:‏ بينهما فرق فالفتح ولاية مولى النسب ونحوه والكسر ولاية السلطان ونسب ذلك إلى أبي عبيدة‏.‏ وأبي الحسن، وقال الزجاج‏:‏ هي بالفتح النصرة والنسب وبالكسرة للإمارة، ونقل عنه أنه ذهب إلى أن الولاية لاحتياجها إلى تمرن وتدرب شبهت بالصناعات ولذا جاء فيها الكسر كالإمارة، وذلك لما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة من أن فعالة بالكسر في الأسماء لما يحيط بشيء ويجعل فيه كاللفافة والعمامة وفي المصادر يكون في الصناعات وما يزاول بالأعمال كالكتابة والخياطة والزراعة والحراثة، وما ذكره من حديث التشبيه بالصناعات يحتمل أن يكون من الواضع بمعنى أن الواضع حين وضعها شبهها بذلك فتكون حقيقة ويحتمل أن يكون من غيره على طرز تشبيه زيد بالأسد فحينئذٍ يكون هناك استعارة، وهي كما قال بعض الجلة‏:‏ استعارة أصلية لوقوعها في المصدر دون المشتق وإن كان التصرف في الهيئة لا في المادة، ومنه يعلم أن الاستعارة الأصلية قسمان ما يكون التجوز في مادته وما يكون في هيئته ‏{‏وَإِنِ استنصروكم إِلاَّ على قَوْمٍ‏}‏ منهم ‏{‏بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق‏}‏ فلا تنصروهم عليه لما في ذلك من نقض عهدهم ‏{‏والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ فلا تخالفوا أمره ولا تتجاوزوا ما حده لكم كي لا يحل عليكم عقابه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ‏(‏73‏)‏‏}‏

‏{‏والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ‏}‏ آخر منهم أي في الميراث كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال قتادة‏.‏ وابن إسحاق‏:‏ في المؤازرة، وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والمؤازرة بينهم وبين المسلمين وإيجاب ضد ذلك وإن كانوا أقارب، ومن هنا ذهب الجمهور إلى أنه لا يرث مسلم كافراً ولا كافر مسلماً، وأخرج ذلك ابن مردويه‏.‏ والحاكم وصححه عن أسامة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك وقرأ الآية، ومن الناس من قال‏:‏ إن المسلم يرث الكافر دون العكس وليس مما يعول عليه والفتوى على الأول كما تحقق في محله ‏{‏إِلاَّ تَفْعَلُوهُ‏}‏ أي إلا تفعلوا ما أمرتم به في الآيتين، وقيل‏:‏ الضمير المنصوب للميثاق أو حفظه أو الإرض أو النصر أو الاستنصار المفهوم من الفعل والأولى ما ذكرنا، وفي الأخير ما لا يخفى من التكلف‏.‏

‏{‏تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الارض‏}‏ أي تحصل فتنة عظيمة فيها، وهي اختلاف الكلمة وضعف الإيمان وظهور الكفر ‏{‏وَفَسَادٌ كَبِيرٌ‏}‏ وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن فالمراد فساد كبير فيها، وقيل‏:‏ المراد في الدارين وهو خلاف الظاهر، وعن الكسائي أنه قرأ ‏{‏كَثِيرٍ‏}‏ بالمثلثة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏74‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏74‏)‏‏}‏

‏{‏والذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً‏}‏ كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار بأنهم الفائزون بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَهُم مَّغْفِرَةٌ‏}‏ لا يقادر قدرها ‏{‏وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ أي لا تبعة له ولا منة فيه، وقيل‏:‏ هو الذي لا يستحيل نجوا في الأجواف وهو رزق الجنة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏75‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏75‏)‏‏}‏

‏{‏والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ‏}‏ أي في بعض أسفاركم، والمراد بهم قيل‏:‏ المؤمنون المهاجرون من بعد صلح الحديبية وهي الهجرة الثانية، وقيل‏:‏ من بعد نزول الآية، وقيل‏:‏ من بعد غزوة بدر، والأصح أن المراد بهم الذين هارجوا بعد الهجرة الأولى ‏{‏فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ‏}‏ أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار، وفيه إشارة إلى أن السابقين هم السابقون في الشرف وأن هؤلاء دونهم فيه، ويؤيد أمر شرفهم توجيه الخطاب إليهم بطريق الالتفات، وبهذا القسم صارت أقسام المؤمنين أربعة، والتوارث إنما هو في القسمين الأولين على ما علمت؛ وزعم الطبرسي أن ذلك الحكم يثبت لهؤلاء أيضاً فيكون التوارث بين ثلاثة أقسام، وجعل معنى ‏{‏مّنكُمْ‏}‏ من جملتكم وحكمهم حكمكم في وجوب الموالاة والموارثة والنصرة ولم أره لأصحابنا‏.‏

‏{‏وَأُوْلُواْ الارحام‏}‏ أي ذوو القرابة ‏{‏بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ‏}‏ آخر منهم في التوريث من الأجانب ‏{‏فِي كتاب الله‏}‏ أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ، أخرج الطيالسي‏.‏ والطبراني‏.‏ وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب، وأخرج ابن مردويه عنه رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ توارث المسلمون لما قدموا المدينة بالهجروة ثم نسخ ذلك بهذه الآية، واستدل بها على توريث ذوي الأرحام الذين ذكرهم الفرضيون، وذلك لأنها نسخ بها التوارث بالهجرة ولم يفرق بين العصبات وغيرهم فيدخل من لا تسمية لهم ولا تعصيب وهم هم وبها أيضاً احتج ابن مسعود كما أخرجه ابن أبي حاتم‏.‏ والحاكم على أن ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة، ولما سمع الحبر قال‏:‏ هيهات هيهات أين ذهب‏؟‏ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الاعراب فنزلت، وخالفه سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً على ما قيل‏.‏ وأنت تعلم أنه ءذا أريد بكتاب الله تعالى آيات المواريث السابقة في سورة النساء أو حكمه سبحانه المعلوم هناك لا يبقى للاستدلال على توريث ذوي الأرحام بالآية وجه، وكذا ما قاله ابن الفرس من أنه قد يستدل بها لمن قال‏:‏ إن القريب أولى بالصلاة على الميت من الوالي ‏{‏أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ‏}‏ ومن جملته ما في تعليق التوارث بالقرابة الدينية أولاً على الوجه السابق وبالقرابة النسبية آخراً من الحكم البالغة‏.‏

هذا ومن باب ازشارة‏:‏ ‏{‏والذين ءامَنُواْ‏}‏ الإيمان العلمي ‏{‏وَهَاجَرُواْ‏}‏ من أوطان نفوسهم ‏{‏وجاهدوا بأموالهم‏}‏ بإنفاقها حتى تخللوا بعباء التجرد والانقطاع إلى الله عز وجل ‏{‏وَأَنفُسِهِمْ‏}‏ باتعابها بالرياضة ومحاربة الشيطان وبذلها في سبيل الله تعالى وطريق الوصول إليه ‏{‏والذين ءاوَواْ‏}‏ إخوانهم في الطريق ونصروهم على عدوهم بالإمداد ‏{‏أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ‏}‏ بميراث الحقائق والعلوم النافعة ‏{‏والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ‏}‏ عن وطن النفس ‏{‏مَا لَكُم مّن ولايتهم مّن شَىْء‏}‏ فلا توارث بينكم وبينهم إذ ما عندكم لا يصلح لهم ما لم يستعدوا له وما عندهم يأباه استعدادكم ‏{‏حتى يُهَاجِرُواْ‏}‏ كما هاجرتم فحينئذٍ يثبت التوارث بينكم وبينهم ‏{‏وَإِنِ استنصروكم فِى الدين فَعَلَيْكُمُ النصر‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 72‏]‏ فإن الدين مشترك، وعلى هذا الطرز يقال في باقي الآيات والله تعالى ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق‏.‏

‏[‏سورة التوبة‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ‏}‏ أي هذه براءة والتنوين للتفخيم و‏{‏مِنْ‏}‏ ابتدائية كما يؤذن به مقابلتها بإلى متعلقة بمحذوف وقع صفة للخبر لفساد تعلقه به أي واصلة من الله، وقدروه بذلك دون حاصله لتقليل التقدير لأنه يتعلق به ‏{‏إلى‏}‏ الآتي أيضاً، وجوز أن تكون مبتدأ لتخصيصها بصفتها وخبره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلَى الذين عاهدتم مّنَ المشركين‏}‏‏.‏

وقرأ عيسى بن عمرو ‏{‏بَرَاءةٌ‏}‏ بالنصب وهي منصوبة باسمعوا أو الزموا على الإغراء، وقرأ أهل نجران ‏{‏مِنَ الله‏}‏ بكسر النون على أن الأصل في تحريك الساكن الكسر، لكن الوجه الفتح مع لام التعريف هرباً من توالي الكسرتين، وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذكر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 3‏]‏ اكتفاءً بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرار لفظ من، والعهد العقد الموثق باليمين، والخطاب في ‏{‏عاهدتم‏}‏ للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة، وأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأملهوا أربعة أشهر ليسيروا حيث شاءوا‏.‏

وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع شمولها للمسلمين في اشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول عليه الصلاة والسلام للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على الع، السابق عن التعرض للكفرة وذلك منوط بجانب الله تعالى من غير توقف على شيء أصلاً، واشتراك المسلمين إنما هو على طريق الامتثال لا غير، وأما المعاهدة فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعية لا تتحصل ولا تترتب عليها الأحكام إلا بمباشرة المتعاقدين على وجه لا يتصور صدوره منه تعالى وإنما الصادر عنه سبحانه الإذن في ذلك وإنما المباشر له المسلمون، ولا يخفى أن البراءة إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل فيها، على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءة وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان، وتنزيهاً لساحة الكبرياء عما يوهم شائبة النقص والبداء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في كلا المقامين كذا حرره بعض المحققين وهو توجيه وجيه‏.‏ وزعم بعضهم أن المعاهدة لما لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة نسبت إليه بخلاف البراءة فإنها واجبة بإيجابه تعالى فلذا نسبت للشارع وهو كما ترى‏.‏

وذكر ابن المنير في سر ذلك أن نسبة الع‏.‏ د إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أدباً‏.‏

ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم‏:‏ «إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم فانكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا، وإن طلبوا ذمة الله تعالى فأنزلوهم على ذمتكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفر ذمة الله تعالى» فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله تعالى مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع، فتوقير عهد الله تعالى وقد تحقق من المشركين النكث وقد تبرأ منه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا ينسب العهد المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدر فلذلك نسب العهد للمسلمين دون البراءة منه ولا يخلو عن حسن إلا أنه غير واف وفاء ما قد سبق، وقيل‏:‏ إن ذكر الله تعالى للتمهيد كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 1‏]‏ تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ولولا قصد التمهيد لأعيدت ‏{‏مِنْ‏}‏ كما في قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 7‏]‏ وإنما نسبت البراءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمعاهدة إليهم لشركتهم في الثانية دون الأولى‏.‏ وتعقب بأنه لا يخفى ما فيه فإن من برأ الرسول عليه الصلاة والسلام منه تبرأ منه المؤمنون، وما ذكر من إعادة الجار ليس بلازم، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام لضعف التهويل حينئذ، وقيل‏:‏ ولك أن تقول‏:‏ إنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأن الله تعالى علم أن لا عهد لهم وأعلم به رسوله عليه الصلاة والسلام فلذا لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل، وهذه نكتة الاتيان بالجملة اسمية خبرية وإن قيل‏:‏ إنها إنشائية للبراءة منهم ولذا دلت على التجدد‏.‏

وفيه أن حديث الأزل لا يتأتى في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهراً وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضاً، ونكتة الاتيان بالجملة الاسمية وهي الدلالة على الدوام والاستمرار لا تتوقف على ذلك الحديث فقد ذكرها مع ضم نكتة التوسل إلى التهويل بالتنكير التفخيمي من لم يذكره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏فَسِيحُواْ فِى الارض‏}‏ أي سيروا فيها حيث شئتم، وأصل السياحة جريان الماء وانبساطه ثم استعملت في السير على مقتضى المشيئة، ومنه قوله‏:‏

لو خفت هذا منك ما نلتني *** حتى ترى خيلاً أمامي تسيح

ففي هذا الأمر من الدلالة على كمال التوسعة والترفية ما ليس في سيروا ونظائره وزيادة ‏{‏فِى الارض‏}‏ زيادة في التعميم، والكلام بتقدير القول أي فقولوا لهم سيحوا، أو بدونه وهو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والمقصود الإباحة والاعلام بحصول الامان من القتل والقتال في المدة المضروبة، وذلك ليتفكروا ويحتاطوا ويستعدوا بما شاءوا ويعلموا أن ليس لهم بعد إلا الإسلام أو السيف ولعل ذلك يحملهم على الاسلام، ولأن المسلمين لو قاتلوهم عقيب إظهار النقض فربما نسبوا إلى الخيانة فامهلوا سداً لباب الظن وإظهاراً لقوة شوكتهم وعدم اكتراثهم بهم وباستعدادهم، وللمبالغة في ذلك اختيرت صيغة الأمر دون فلكم أن تسيحوا، والفاء لترتيب الأمر بالسياحة وما يعقبه على ما يؤذن به البراءة المذكورة من الحرب على أن الأول مترتب على نفسه للثاني بكلا متعلقيه على عنوان كونه من الله العزيز جل شأنه، كأنه قيل‏:‏ هذه براءة موجبة لقتالكم فاسعوا في تحصيل ما ينجيكم وإعداد ما يجديكم ‏{‏أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ‏}‏ وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم عند الزهري لأن الآية نزلت في الشهر الأول، وقيل‏:‏ إنها وإن نزلت فيه إلا ان قراءتها على الكفار وتبليغها إليهم كان يوم الحج الأكبر فابتداء المدة عاشر ذي الحجة إلى انقضاء عشر شهر ربيع الآخر، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه‏.‏ ومجاهد‏.‏ ومحمد بن كعب القرظي‏.‏

وقيل‏:‏ ابتداء تلك المدة يوم النحر لعشر من ذي القعدة إلى انقضاء عشر من شهر ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسىء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع التي قال فيها صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض» وإلى ذلك ذهب الجبائي، واستصوب بعض الأفاضل الثاني وادعى أن الأكثر عله، روي من عدة أخبار متداخلة بعضها في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانشد‏:‏

لاهم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيه الا تلدا

قد كنتم ولدا وكنا والدا *** ثمت أسلمنا ولم ننزع يد

فانصر هداك الله نصراً أعتدا *** وادعو عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجردا *** إن سيم خسفا وجهه تربدا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا *** أن قريشا أخلفوك الموعدا

ونقضوا مبثاقك المؤكدا *** وجعلوا لي من كداء رصدا

وزعموا أن لست أدعو أحدا *** وهم أذل وأقل عددا

هم بيتونا بالحطيم جهدا *** وقتلونا ركعا وسجدا

فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «لا نصرت إن لم أنصرك» ثم تجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فقال‏:‏ إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فبعث عليه الصلاة والسلام تلك السنة أبا بكر رضي الله تعالى عنه أميراً على الناس ليقيم لهم الحج وكتب له سننه ثم بعث بعده علياً كرم الله تعالى وجهه على ناقته العضباء ليقرأ على أهل الموسم صدر براءة فلما دناه علي كرم الله تعالى وجهه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال‏:‏ هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال‏:‏ أمير أو مأمور‏؟‏ قال‏:‏ مأمور فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي كرم الله تعالى وجهه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال‏:‏ أيها الناس إني رسول الله تعالى إليكم فقالوا‏:‏ بماذا‏؟‏ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من السورة ثم قال‏:‏ أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، واختلفت الروايات في أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هل كان مأموراً أو لا بالقراءة أم لا والأكثر على أنه كان مأموراً وأن علياً كرم الله تعالى وجهه لما لحقه رضي الله تعالى عنه أخذ منه ما أمر بقراءته، وجاء في رواية ابن حبان‏.‏ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حين أخذ منه ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك محافة أن يكون قد أنزل فيه شيء فلما أتاه قال‏:‏ مالي يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني‏.‏

وجاء من رواية أحمد‏.‏ والترمذي وحسنه‏.‏ وأبو الشيخ، وغيرهم عن أنس قال‏:‏ «بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه ثم دعاه فقال‏:‏ لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً كرم الله تعالى وجهه فاعطاه اياه»

وهذا ظاهر في أن علياً لم يأخذ ذلك من أبي بكر في الطريق وأكثر الروايات على خلافه، وجاء في بعضها ما هو ظاهر في عدم عزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن الأمر بل ضم إليه علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ فقد أخرج الترمذي وحسنه‏.‏ والبيهقي في الدلائل‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ والحاكم وصححه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فحجا فقام علي رضي الله تعالى عنه في أيام التشريق فنادى أن الله برىء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي كرم الله تعالى وجهه ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فنادى بها» وأيا ما كان ليس في شيء من الروايات ما يدل على أن علياً رضي الله تعالى عنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا يبلغ عني غيري أو رجل مني سواى كان بوجي أم لا ‏"‏ جار على عادة العرب أن لا تولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب لتنقطع الحجة بالكلية، فالتبليغ المنفى ليس عاماً كما يرشد إلى ذلك حديث أحمد‏.‏ والترمذي‏.‏

وكيف يمكن إرادة العموم وقد بلغ عنه صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأحكام الشرعية في حياته وبعد وفاته كثير ممن لم يكن من أقاربه صلى الله عليه وسلم كعلي كرم الله تعالى وجهه ومنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه فانه في تلك السنة حج بالناس وعلمهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الحج وما يلزم فيه وهو أحد الأمور الخمسة التي بنى الإسلام عليها، على أن من أنصف من نفسه علم أن في نصب أبي بكر رضي الله تعالى عنه لإقامة مثل هذا الركن العظيم من الدين على ما يشعر به قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏ الآية إشارة إلى أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة شعائر دينه لا سيما وقد أيد ذلك بإقامته مقامه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس في آخر أمره عليه الصلاة والسلام وهي العماد الأعظم والركن الأقوم لدينه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس، والقول بأنه رضي الله تعالى عنه عزل في المسألتين كما يزعمه بعض الشيعة لا أصل له وعلى المدعى البيان ودونه الشم الراسيات‏.‏

وبالجملة دلالة «لا ينبغي» الخ على الخلافة مما لا ينبغي القول بها، وقصارى ما في الخبر الدلالة على فضل الأمير كرم الله تعالى وجهه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمن لا ينكر ذلك لكنه بمعزل عن اقتضائه التقدم بالخلافة على الصديق رضي الله تعالى عنه‏.‏ وقد ذكر بعض أهل السنة نكتة في نصب أبي بكر أميراً للناس في حجهم ونصب الأمير كرم الله تعالى وجهه مبلغا نقض العهد في ذلك المحفل وهي أن الصديق رضي الله تعالى عنه لما كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال كمال يرشد إليه ما تقدم في حديث الاسراء وما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر أحال إليه عليه الصلاة والسلام أمر المسلمين الذين هم مورد الرحمة، ولما كان علي كرم الله تعالى وجهه الذي هو أسد الله مظهر جلاله فوض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر فكانا كعينين فوارتين يفور من احداهما صفة الجمال ومن الأخرى صفة الجلال في ذلك المجمع العظيم الذي كان انموذجا للحشر ومورداً للمسلم والكافر انتهى‏.‏ ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وجعل المدة أربعة أشهر قيل لأنها ثلث السنة والثلث كثير، ونصب العدد على الظرفية لسيحوا أي فسيحوا في أقطار الأرض في أربعة أشهر ‏{‏واعلموا أَنَّكُمْ‏}‏ لسياحتكم تلك ‏{‏غَيْرُ مُعْجِزِي الله‏}‏ لا تفوتونه سبحانه بالهرب والتحصن ‏{‏وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين‏}‏ في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالعذاب المهين، وأظهر الاسم الجليل لتربية المهابة وتهويل أمر الاخزاء وهو الاذلال بما فيه فضيحة وعار، والمراد من الكافرين اما المشركون المخاطبون فيما تقدم والعدول عن مخزيكم إلى ذلك لذمهم بالكفر بعد وصفهم بالاشراك وللاشعار بأن علة الاخزاء هي كفرهم واما الجنس الشامل لهم ولغيرهم ويدخل فيه المخاطبون دخولاً أولياً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَذّن مّنَ الله وَرَسُولِهِ‏}‏ أي إعلام وهو فعال بمعنى الأفعال أي إيذان كالأمان والعطاء‏.‏ ونقل الطبرسي أن أصله من النداء الذي يسمع بالأذن بمعنى أذنته أو صلته إلى أذنه، ورفعه كرفه براءة والجملة معطوفة على مثلها‏.‏

وزعم الزجاج أنه عطف على ‏{‏براءة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 1‏]‏، وتعقب بأنه لا وجه لذلك فإنه لا يقال‏:‏ أن عمراً معطوف على زيد في قولك‏:‏ زيد قائم وعمرو قاعد‏.‏ وذكر العلامة الطيبي أن لقائل أن يقول‏:‏ لم لا يجوز أن يعطف على براءة على أن يكون من عطف الخبر على الخبر كأنه قيل‏:‏ هذه السورة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم خاصة وأذان من الله ورسوله ‏{‏إِلَى الناس‏}‏ عامة‏.‏ نعم الأوجه أن يكون من عطف الجمل لئلا يتخلل بين الخبرين جمل أجنبية ولئلا تفوت المطابقة بين المبتدأ والخبر تذكيراً وتأنيثاً، ونظر فيه بعضهم أيضاً بأنهم جوزوا في الدار زيد والحجرة عمرو وعدوا ذلك من العطف على معمولي عاملين، وصرحوا بأن نحو زيد قائم وعمرو يحتمل الأمرين، وأجيب بأنه أريد عطف أذان وحده على براءة من غير تعرض لعطف الخبر على الخبر كما في نحو أريد أن يضرب زيد عمراً ويهين بكر خالداً فليس العطف إلا في الفعلين دون معموليهما هذا الذي منعه من منع؛

وإرادة العموم من ‏{‏الناس‏}‏ هو الذي ذهب إليه أكثر الناس لأن هذا الاذان ليس كالبراءة المختصة بالناكثين بل هو شامل للكفرة وسائر المؤمننين أيضاً، وقال قوم‏:‏ المراد بهم أهل العهد، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَوْمَ الحج الاكبر‏}‏ منصوب بما تعلق به ‏{‏إِلَى الناس‏}‏ لا باذان لأن المصدر الموصوف لا يعمل على المشهور، والمراد به يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ولأن الأعلام كان فيه‏.‏

ولما أخرج البخاري تعليقاً‏.‏ وأبو داود‏.‏ وابن ماجه‏.‏ وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال‏:‏ أي يوم هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ يوم النحر، قال‏:‏ هذا يوم الحج الأكبر، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وابن عباس‏.‏ وابن جبير‏.‏ وابن زيد‏.‏ ومجاهد‏.‏ وغيرهم، وقيل‏:‏ يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً، وأخرج ابن أبي حاتم عن المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي الصهباء أنه سأل علياً كرم الله تعالى وجهه عن هذا اليوم فقال‏:‏ هو يوم عرفة، وعن مجاهد‏.‏ وسفيان أنه جميع أيام الحج كما يقال‏:‏ يوم الجمل‏.‏

ويوم صفين ويراد باليوم الحين والزمان والأول أقوى رواية ودراية، ووصف بالحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما وقع في ذلك اليوم من أعماله فانه أكبر من باقي الأعمال فالتفضيل نسبي وغير مخصوص بحج تلك السنة‏.‏ وعن الحسن أنه وصف بذلك لأنه اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب، وقيل‏:‏ لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين فالتفضيل مخصوص بتلك السنة؛ وأما تسمية الحج الموافق يوم عرفة فيه ليوم الجمعة بالأكبر فلم يذكروها وإن كان ثواب ذلك الحج زيادة على غيره كما تقله الجلال السيوطي في بعض رسائله ‏{‏أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين‏}‏ أي من عهودهم‏.‏ وقرأ الحسن‏.‏ والأعرج ‏{‏ءانٍ‏}‏ بالكسر لما أن الأذان فيه معنى القول، وقيل‏:‏ يقدر القول، وعلى قراءة الفتح يكون بتقدير حرف جر وهو مطرد في إن وأن، والجار والمجرور جوز أن يكون خبراً عن أذان وأن يكون متعلقاً به وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة له، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَرَسُولُهُ‏}‏ عطف على المستكن في برىء، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف وأن يكون عطفاً على محل اسم إن لكن على قراءة الكسر، لأن المكسورة لمالم تغير المعنى جاز أن تقدر كالعدم فيعطف على محل ما عملت فيه أي على محل كان له قبل دخولها فانه كان إذ ذاك مبتدأ، ووقع في كلامهم محل أن مع اسمها والأمر فيه هين‏.‏ ولم يجيزوا ذلك على المسهور مع المفتوحة لأن لها موضعاً غير الابتداء، وأجاز ابن الحاجب ههنا العطف على المحل في قراءة الجماعة أيضاً بناء على ما ذكر من أن المفتوحة على قسمين ما يجوز فيه العطف على المحل وما لا يجوز، فإن كان بمعنى إن المكسورة كالتي بعد أفعال القلوب نحو علمت أن زيداً قائم وعمر وجاز العطف لأنها لاختصاصها بالدخول على الجمل يكون المعنى معها ان زيداً قائم وعمرو في علمي، ولذا وجب الكسر في علمت إن زيداً لقائم، وإن لم تكن كذلك لا يجوز نحو أعجبني أن زيداً كريم وعمرو ويتعين النصب فيه لأنها حينئذ ليست مكسورة ولا في حكمها، ووجه الجواز بناء على هذا أن الاذن بمعنى العلم فيدخل على الجمل أيضاً كعلم‏.‏

وقرأ يعقوب برواية روح‏.‏ وزيد ‏{‏وَرَسُولُهُ‏}‏ بالنصب وهي قراءة الحسن‏.‏ وابن أبي اسحق‏.‏ وعيسى بن عمرو، وعليها فالعطف على اسم ان وهو الظاهر، وجوز أن تكون الواو بمعنى مع ونصب ‏{‏وَرَسُولُهُ‏}‏ على أنه مفعول معه أي برىء معه منهم‏.‏

وعن الحسن أنه قرأ بالجر على أن الواو للقسم وهو كالقسم بعمره صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَعَمْرُكَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 72‏]‏ وقيل‏:‏ يجوز كون الجر على الجوار وليس بشيء، وهذه القراءة لعمري موهمة جداً وهي في غاية الشذوذ الظاهر أنها لم تصح‏.‏

يحكى أن إعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال‏:‏ إن كان الله تعالى بريئاً من رسوله فانا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فحكى الاعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعليم العربية، ونقل أن أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي كرم الله تعالى وجهه فكان ذلك سبب وضع النحو والله تعالى أعلم‏.‏

وفرق الزمخشري بين معنى الجملة الأولى وهذه الجملة بأن تلك اخبار بثبوت البراءة وهذه اخبار بوجوب الاعلام بما ثبت، وفي الكشف أن هذا على تقدير رفعهما بالخبرية ظاهر إلا أن في قوله اخبار بوجوب الاعلام تجوزاً وأراد أن يبين أن المقصود ليس الاخبار بالاعلام بل أعلم سبحانه أنه بريء ليعلموا الناس به، وعلى التقدير الثاني وجهه أن المعنى في الجملة الأولى البراءة الكائنة من الله تعالى حاصلة منتهية إلى المعاهدين من المشركين فهو إخبار بثبوت البراءة كما تقول في زيد موجود مثلا‏:‏ إنه إخبار بثبوت زيد، وفي الثانية إعلام المخاطبين الكائن من الله تعالى بتلك البراءة ثابت واصل إلى الناس فهو إخبار بثبوت الاعلام الخاص صريحاً ووجوب أن يعلم المخاطبون الناس ضمنا، ولما كان المقصود هو المعنى المضمن ذكر أنها إخبار بوجوب الاعلام، وزعم بعضهم لدفع التكرار أن البراءة الأولى لنقض العهد والبراءة الثانية لقطع الموالاة والاحسان وليس بذلك ‏{‏فَإِن تُبْتُمْ‏}‏ من الكفر والغدر بنقض العهد ‏{‏فَهُوَ‏}‏ أي التوب ‏{‏خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ في الدارين والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التهديد والتشديد، والفاء الأولى لترتيب مقدم الشرطية على الاذان المذيل بالوعيد الشديد المؤذن بلين عريكتهم وانكسار شدة شكيمتهم ‏{‏وَإِن تَوَلَّيْتُمْ‏}‏ عن التوبة أو ثبتم على التولي عن الإسلام والوفاء ‏{‏فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله‏}‏ غير سابقيه سبحانه ولا فائتيه ‏{‏وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ أي في الآخرة على ما هو الظاهر‏.‏

ومن هنا قيد بعضهم غير معجزي الله بقوله في الدنيا، والتعبير بالبشارة للتهكم، وصرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل‏:‏ لأن البشارة إنما تليق بمن يقف على الاسرار الالهية، وقد يقال‏:‏ لا يبعد كون الخطاب لكل من له حظ فيه وفيه من المبالغة ما لا يخفى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين‏}‏ استثناء على ما في الكشاف من المقدر في قوله‏:‏ ‏{‏فَسِيحُواْ فِى الارض‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 2‏]‏ الخ لأن الكلام خطاب مع المسلمين على أن المعنى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم، وهو بمعنى الاستدراك كأنه قيل‏:‏ فلا تمهلوا الناكثين غير أربعة أشهر ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجرى الناكثين، واعترض بأنه كيف يصح الاستثناء وقد تخلل بين المستثنى والمستثنى منه جملة أجنبية أعني قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَذَانٌ مّنَ الله‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 3‏]‏ فإنه كما قرر عطف على ‏{‏براءة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 1‏]‏، وأجيب بأن تلك الجملة ليست أجنبية من كل وجه لأنها في معنى الأمر بالاعلام كأنه قيل‏:‏ فقولوا لهم سيحوا واعلموا أن الله تعالى بريء منهم لكن الذين عاهدتم الخ، وجعله بعضهم استدراكاً من النبذ السابق الذي أخر فيه القتال أربعة أشهر والمآل واحد، وقيل‏:‏ هو استثناء من المشركين الأول وإليه ذهب الفراء، ورد بأن بقاء التعميم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 3‏]‏ ينافيه، وقيل‏:‏ هو استثناء من المشركين الثاني‏.‏ ورد بأن بقاء التعميم في الأول ينافيه، والقول بالرجوع إليهما والمستثنى منهما في الجملتين ليستا على نسق واحد لا يحسن، وجعل الثاني معهوداً وهم المشركون المستثنى منهم هؤلاء فقيل مجيء الاستثناء يبعد ارتكابه في النظم المعجز، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ‏}‏ حينئد لا بد من أن يجعل جزاء شرط محذوف وهو أيضاً خلاف الظاهر والظاهر الخبرية، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وكون المراد به أناساً بأعيانهم فلا يكون علما فيشبه الشرط فتدخل الفاء في خبره على تقدير تسليمه غير مضر فقد ذهب الاخفش إلى زيادة الفاء في خبر الموصول من غير اشتراذ العموم، واستدل القطب لما في الكشاف بأن ههنا جملتين يمكن أن يعلق بهما الاستثناء جملة البراءة وجملة الامهال، لكن تعليق الاستثناء بجملة البراءة يستلزم أن لا براءة عن بعض المشركين فتعين تعلقه بجملة الامهال أربعة أشهر، وفيه غفلة عن أن المراد البراءة عن عهود المشركين لا عن أنفسهم، ولا كلام في أن المعاهدين الغير الناكثين ليس الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بريئين من عهودهم وإن برئا عن أنفسهم بضرب من التأويل فافهم، وقال ابن المنير‏:‏ يجوز أن يكون قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَسِيحُواْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 2‏]‏ خطاباً للمشركين غير مضمر قبله القول ويكون الاستثناء على هذا من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 1‏]‏ كأنه قيل‏:‏ براءة من الله تعالى ورسوله إلى المعاهدين إلا الباقين على العهد فأتموا إليهم أيها المسلمون عهدهم، ويكون فيه خروج من خطاب المسلمين في ‏{‏إِلاَّ الذين عاهدتم‏}‏ إلى خطاب المشركين في ‏{‏فَسِيحُواْ‏}‏ ثم التفات من التكلم إلى الغيبة في

‏{‏واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأَنَّ الله‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 2‏]‏ والأصل غير معجزي واني، وفي هذا الالتفات بعد الالتفات الأول افتنان في أساليب البلاغة وتفخيم للشأن وتعظيم للأمر، ثم يتلو هذا الالتفات العود إلى الخطاب في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين عاهدتم‏}‏ الخ وكل هذا من حسنات الفصاحة انتهى، ولا يخفى ما فيه من كثرة التعسف و‏{‏مِنْ‏}‏ قيل بيانية، وقيل‏:‏ تبعيضية، وثم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً‏}‏ للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة وينقصوا بالصاد المهملة كما قرأ الجمهور يجوز أن يتعدى إلى واحد فيكون شيئاً منصوباً على المصدرية أي لم ينقصوكم شيئاً من النقصان لا قليلاً ولا كبيراً، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون ‏{‏شَيْئاً‏}‏ مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئاً من النقصان لا قليلاً ولا كثيراً، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون ‏{‏شَيْئاً‏}‏ مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئاً من شروط العهد وأدوها لكم بتمامها، وقرأ عكرمة‏.‏ وعطاء ‏{‏ينقضوكم‏}‏ بالضاد المعجمة، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي لم ينقضوا عهودكم شيئاً من النقض وهي قراءة مناسبة للعهد إلا أن قراءة الجمهور أوقع لمقابلة التمام مع استغنائها عن ارتكاب الحدف ‏{‏شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا‏}‏ أي لميعاونوا ‏{‏عَلَيْكُمْ أَحَداً‏}‏ من أعدائكم كما عدت بنو بكر على خزاعة فظاهرتهم قريش بالسلاح كما تقدم ‏{‏فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ‏}‏ أي أدوه إليهم كملا ‏{‏إلى مُدَّتِهِمْ‏}‏ أي إلى انقضائها ولا تجروهم مجرى الناكثين قيل‏:‏ بقي لبني ضمرة‏.‏ وبني مدلج حيين من كنانة من عهدهم تسعة اشهر فأتم إليهم عهدهم، وأخرج ابن أبي حاتم أنه قال‏:‏ هؤلاء قريش عاهدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر فأمر الله تعالى شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم ذلك إلى مدتهم وهو خلاف ما تظافرت به الروايات من أن قريشاً نقضوا العهد على ما علمت والمعتمد هو الأول ‏{‏إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين‏}‏ تعليل لوجوب الامتثال وتنبيه على أن مراعاة العهد من باب التقوى وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم‏}‏ أي انقضت، وأصله من السلخ بمعنى الكشط يقال‏:‏ سلخت الاهاب عن الشاة أي كشطته ونزعته عنها، ويجيء بمعنى الاخراج كما يقال‏:‏ سلخت الشاة عن الاهاب إذا أخرجتها منه، وذكر أبو الهيثم أنه يقال‏:‏ أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه فنحن نزداد كل ليلة لباساً إلى نصفه ثم نسلخه عن أنفسنا جزأ فجزأ حتى ينقضي وأنشد‏:‏

إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله *** كفى قاتلا سلخى الشهور واهلالي

والانسلاخ فيما نحن فيه استعارة حسنة وتحقيق ذلك أن الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال الجلد على الحيوان وكذا كل جزء من أجزائه الممتدة كالأيام والشهور والسنين، فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه، وفي ذلك مزيد لطف لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزاً لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالهم بزوالها، ومن هنا يعلم أن جعله استعارة من المعنى الأولى للسلخ أولى من جعله من المعنى الثاني باعتبار أنه لما انقضى كأنه أخرج من الأشياى الموجودة إذ لا يظهر هذا التلويح عليه ظهوره على الأول ‏{‏وَالٍ‏}‏ في الأشهر للعهد فالمراد بها الأشهر الأربعة المتقدمة في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَسِيحُواْ فِى الارض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 2‏]‏ وهو المروى عن مجاهد‏.‏ وغيره‏.‏ وفي الدر المصون أن العرب إذا ذكرت نكرة ثم أرادت ذكرها ثانياً أتت بالضمير أو باللفظ معرفاً بأل ولا يجوز أن تصفه حينئذ بصفة تشعر بالمغايرة فلو قيل رأيت رجلاً وأكرت الرجل الطويل لم ترد بالثاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز كقولك فأكرمت الرجل المذكور والآية من هذا القبيل، فإن ‏{‏الحرم‏}‏ صفة مفهومة من فحوى الكلام فلا تقتضي المغايرة، وكأن النكتة في العدول عن الضمير ووضع الظاهر موضعه الاتيان بهذه الصفة لتكون تأكيداً لما ينبىء عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم مع ما في ذلك من مزيد الاعتناء بشأن الموصوف‏.‏

وعلى هذا فالمراد بالمشركين في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ الناكثون فيكون المقصود بيان حكمهم بعد التنبيه على إتمام مدة من لم يكنث ولا يكون حكم الباقين مفهوماً من عبارة النص بل من دلالته، وجوز أن يكون المراد بها تلك الأربعة مع ما فهم من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 4‏]‏ من تتمة مدة بقيت لغير الناكثين‏.‏ وعليه يكون حكم الباقين مفهوماً من العبارة حيث إن المراد بالمشركين حينئذ ما يعمهم والناكثين إلا أنه يكون الانسلاخ وما نيط به من القتال شيئاً فشيئاً لا دفعة واحدة، فكأنه قيل‏:‏ فإذا تم ميقات كل طائفة فاقتلوهم، وقيل‏:‏ المراد بها الأشهر المعهودة الدائرة في كل سنة وهي رجب‏.‏

وذو العقدة‏.‏ وذو الحجة‏.‏ والمحرم‏.‏ وهو مخل بالنظم الكريم لأنه يأباه الترتيب بالفاء وهو مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشهر‏.‏ وقيل‏:‏ إنه مخالف للإجماع أيضاً لأنه قام على أن هذه الأشهر يحل فيها القتال وأن حرمتها نسخت وعلى تفسيره بها يقتضي بقاء حرمتها ولم ينزل بعد ما ينسخها‏.‏ ورد بأنه لا يلزم أن ينسخ الكتاب بالكتاب بل قد ينسخ بالسنة كما تقرر في الأصول، وعلى تقدير لزومه كما هو رأي البعض يحتمل أن يكون ناسخه من الكتاب منسوخ التلاوة‏.‏ وتعقب هذا بأنه احتمال لا يفيد ولا يسمع لأنه لو كان كذلك لنقل والنسخ لا يكفي فيه الاحتمال، وقيل‏:‏ إن الاجماع إذا قام على أنها منسوخة كفى ذلك من غير حاجة إلى نقل سند إلينا، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم، وكما أن ذلك كاف لنسخها يكفي لنسخ ما وقع في الحديث الصحيح وهو «إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله تعالى السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب» فلا يقال‏:‏ إنه يشكل علينا لعدم العلم بما ينسخه كما توهم، وإلى نسخ الكتاب بالإجماع ذهب البعض منا‏.‏ ففي النهاية شرح الهداية تجوز الزيادة على الكتاب بالإجماع صرح به الإمام السرخسي، وقال فخر الإسلام‏:‏ إن النسخ بالإجماع جوزه بعض أصحابنا بطريق أن الإجماع يوجب العلم اليقيني كالنص فيجوز أن يثبت به النسخ، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المسهور والنسخ به جائز فبالاجماع أولى‏.‏ وأما اشتراط حياة النبي صلى الله عليه وسلم في جواز النسخ فغير مشروط على قول ذلك البعض من الأصحاب اه‏.‏ وأنت تعلم أن المسألة خلافية عندنا، على أن في الإجماع كلاما، فقد قيل‏:‏ ببقاء حرمة قتال المسلمين فيها إلا أن يقاتلوا ونقل ذلك عن عطاء لكنه قول لا يعتد به، والقول بأن منع القتال في الأشهر الحرم كان في تلك السنة وهو لا يقتضي منعه في كل ما شابهها بل هو مسكوت عنه فلا يخالف الإجماع، ويكون حله معلوماً من دليل آخر ليس بشيء، لأن الظاهر أن من يدعي الإجماع يدعيه في الحل في تلك السنة أيضاً، وبالجملة لا معول على هذا التفسير، وهذه على ما قال الجلال السيوطي هي آية السيف التي نسخت آيات العفو والصفح والاعراض والمسالمة‏.‏

وقال العلامة ابن حجر‏:‏ أية السيف ‏{‏وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 36‏]‏ وقيل‏:‏ هما، واستدل الجمهور بعمومها على قتال الترك والحبشة كأنه قيل‏:‏ فاقتلوا الكفار مطلقاً ‏{‏حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏}‏ من حل وحرم ‏{‏وَخُذُوهُمْ‏}‏ قيل‏:‏ أي أسروهم والأخيذ الأسير، وفسر الأسر بالربط لا لاسترقاق، فان مشركي العرب لا يسترقون‏.‏

وقيل‏:‏ المراد إمهالهم للتخيير بين القتل والإسلام‏.‏ وقيل‏:‏ هو عبارة عن أذيتهم بكل طريق ممكن، وقد شاع في العرف الأخذ على الاستيلاء على مال العدو، فيقال‏:‏ إن بني فلان أخذوا بني فلان أي استولوا على أموالهم بعد أن غلبوهم ‏{‏واحصروهم‏}‏ قيل أي أحبسوهم‏.‏

ونقل الخازن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد امنعوهم عن الخروج إذا تحصنوا منكم بحصن‏.‏

ونقل غيره عنه أن المعنى حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام ‏{‏واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ‏}‏ أي كل ممر ومجتاز يجتازون منه في أسفارهم، وانتصابه عند الزجاج ومن تبعه على الظرفية‏.‏ ورده أبو علي بأن المرصد المكان الذي يرصد فيه العدو فهو مكان مخصوص لا يجوز حذف في منه ونصبه على الظرفية إلا سماعا‏.‏ وتعقبه أبو حيان بأنه لا مانع من انتصابه على الظرفية لأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واقعدوا لَهُمْ‏}‏ ليس معناه حقيقة القعود بل المراد ترقبهم وترصدهم، فالمعنى ارصدوهم كل مرصد يرصد فيه، والظرف مطلقاً ينصبه باسقاط في فعل من لفظه أو معناه نحو جلست وقعدت مجلس الأمير، والمقصور على السماع ما لم يكن كذلك، و‏{‏كُلٌّ‏}‏ وإن لم يكن ظرفاً لكن له حكم ما يضاف إليه لأنه عبارة عنه‏.‏

وجوز ابن المنير أن يكون مرصداً مصدراً ميميا فهو مفعول مطلق والعامل فيه الفعل الذي بمعناه، كأنه قيل‏:‏ وارصدوهم كل مرصد ولا يخفى بعده، وعن الأخفش أنه منصوب بنزع الخافض والأصل على كل مرصد فلما حذف على انتصب، وأنت تعلم أن النصب بنزع الخافض غير مقيس خصوصاً إذا كان الخافض على فانه يقل حذفها حتى قيل‏:‏ إنه مخصوص بالشعر ‏{‏فَإِن تَابُواْ‏}‏ عن الشرك بالإيمان بسبب ما ينالهم منكم ‏{‏وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة‏}‏ تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم، واكتفى بذكرهما لكونهما رئيسي العبادات البدنية والمالية ‏{‏فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ‏}‏ أي فاتركوهم وشأنهم ولا تتعرضوا لهم بشيء مما ذكر‏.‏

وقيل‏:‏ المراد خلوا بينهم وبين البيت ولا تمنعوهم عنه والأول أولى، وقد جاءت تخلية السبيل في كلام العرب كناية عن الترك كما في قوله‏:‏

خل السبيل لمن يبني المنار به *** وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر

ثم يراد منها في كل مقام ما يليق به، ونقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه استدل بالآية على قتل تارك الصلاة وقتال مانع الزكاة، وذلك لأنه تعالى أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فما لم يوجد هذا المجموع تبقى اباحة الدم على الأصل، ولعل أبا بكر رضي الله تعالى عنه استدل بها على قتال مانعي الزكاة‏.‏ وفي الحواشي الشهابية أن المزني من جلة الشافعية رضي الله تعالى عنهم أورد على قتل تارك الصلاة تشكيكاً تحيروا في دفعه كما قاله السبكي في طبقاته فقال إنه لا يتصور لأنه إما أن يكون على ترك صلاة قد مضت أو لم تأت والأول باطل لأن المقضية لا يقتل بتركها والثاني كذلك لأنه ما لم يخرج الوقت فله التأخير فعلام يقتل‏؟‏ وسلكوا في الجواب مسالك‏.‏

الأول‏:‏ أن هذا وارد أيضاً على القول بالتعزير والضرب والحبس كما هو مذهب الحنفية فالجواب الجواب وهو جدلي‏.‏ يا رسول الله والثاني‏:‏ أنه على الماضية لأنه تركها بلا عذر، ورد بأن القضاء لا يجب على الفور وبأن الشافعي رضي الله تعالى عنه قد نص على أنه لا يقتل بالمقضية مطلقاً‏.‏ والثالث‏:‏ أنه يقتل للمؤداة في آخر وقتها‏.‏ ويلزمه أن المبادرة إلى قتل تارك الصلاة تكون أحق منها إلى المرتد إذ هو يستتاب وهذا لا يستتاب ولا يمهل إذ لو أمهل صارتمقضية وهو محل كلام فلا حاجة إلى أن يجاب من طرف أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه كما قيل‏:‏ بأن استدلال الشافعية مبني على القول بمفهوم الشرط وهو لا يعول به، ولو سلمه فالتخلية الاطلاق عن جميع ما مر، وحينئد يقال‏:‏ تارك الصلاة لا يخلى ويكفى لعدم التخلية أن يحبس، على أن ذلك منقوض بمانع الزكاة عنده، وأيضاً يجوز أن يراد باقامتهما التزامهما وإذا لم يلتزمهما كان كافراً إلا أنه خلاف المتبادر وإن قاله بعض المفسرين‏.‏

وأنت تعلم أن مذهب الشافعية إن من ترك صلاة واحدة كسلا بشرط اخراجها عن وقت الضرورة بأن لا يصلي الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس قتل حدا، واستدل بعض أجلة متأخريهم بهذه الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس» الحديث وبين ذلك بأنهما شرطاً في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لكن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا منها وقاتلونا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة فانه لا يمكن فعلها بالمقاتلة فكانت فيها بمعنى القتل، ثم قال‏:‏ فعلم وضوح الفرق بين الصلاة والزكاة وكذا الصوم فإنه إذا علم انه يحبس طول النهار نواه فاجدي الحبس فيه ولا كذلك الصلاة فتعين القتل في حدها ولا يخفى أن ظاهر هذا قول بالجمع بين الحقيقة والمجاز في الآية والحديث لأن الصلاة والزكاة في كل منهما، وفي الآية القتل وحقيقته لا تجري في مانع الزكاة وفي الحديث المقاتلة وحقيقتها لا تجري في تارك الصلاة فلا بد أن يراد مع القتل المقاتلة في الآية ومع المقاتلة القتل في الحديث ليتأتى جريان ذلك في تارك الصلاة ومانع الزكاة، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز عندنا، على أن حمل الآية والحديث على ذلك مما لا يكاد يتبادر إلى الذهن فالنقض بمانع الزكاة في غاية القوة‏.‏

وأشار إلى ما نقل عن المزني مع جوابه بقوله‏:‏ لا يقال‏:‏ لا قتل بالحاضرة لأنه لم يخرجها عن وقتها ولا بالخارجة عنه لأنه لا قتل بالقضاء وان وجوب فوراً لأنا نقول‏:‏ بل يقتل بالحاضرة إذا أمر بها من جهة الإمام أو نائبه دون غيرهما فيما يظهر في الوقت عند ضيقه وتوعد على اخراجها عنه فامتنع حتى خرج وقتها لأنه حينئذ معاند للشرع عنادا يقتضي مثله القتل فهو ليس لحاضره فقظ ولا لفائتة فقط بل لمجموع الأمرين الأمر والاخراج مع التصميم ثم انهم قالوا‏:‏ يستتاب تارك الصلاة فوراً ندبا، وفارق الوجوب في المرتد بأن ترك استتابته توجب تخليده في النار إجماعا بخلاف هذا، ولا يضمن عندهم من قتله قبل التوبة مطلقاً لكنه يأثم من جهة الافتيات على الإمام وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله‏.‏

واستدل بالآية أيضاً كما قال الجلال السيوطي من ذهب إلى كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة، وليس ذلك بشيء والصحيح أنهما مؤمنان عصيان وما يشعر بالكفر خارج مخرج التغليظ ‏{‏إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ يغفر لهم ما قد سلف منهم ويثيبهم بإيمانهم وطاعتهم وهو تعليل للأمر بتخلية السبيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ‏}‏ شروع في بيان حكم المتصدين لمباي التوبة من سماع كلام الله تعالى والوقوف على شعائر الدين اثر بيان حكم التائبين عن الكفر والمصرين عليه، وفيه إزاحة ما عسى يتوهم من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ إذ الحجة قد قامت عليهم وأن ما ذكره عليه الصلاة والسلام قبل من الدلائل والبينات كاف في إزالة عذرهم بطلبهم للدليل لا يلتفت إليه بعد و‏{‏ءانٍ‏}‏ شرطية والاسم مرفوع بشرط مضمر يفسره الظاهر لا بالابتداء ومن زعم ذلك فقد أخطأ كما قال الزجاج لأن إن لكونها تعمل العمل المختص بالفعل لفظاً أو محلا مختصة به فلا يصح دخولها على الاسماء أن وإن استجارك أحد ‏{‏مّنَ المشركين استجارك‏}‏ أي استأمنك وطلب مجاورتك بعد انقضاء الأجل المضروب ‏{‏فَأَجِرْهُ‏}‏ أي فآمنه ‏{‏حتى يَسْمَعَ كلام الله‏}‏ ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه والاقتصار على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من أهل اللسن والفصاحة، والمراد بكلام الله تعالى الآيات المشتملة على ما يدل على التوحيد ونفي الشبه والشبيه، وقيل‏:‏ سورة براءة، وقيل‏:‏ جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه، و‏{‏حتى‏}‏ للتعليل متعلقة بما عندها، وليست الآية من التنازع على ما صرح به الفاضل ابن العادل حيث قال‏:‏ ولا يجوز ذلك عند الجمهور لأمر لفظي صناعي لأنا لو جعلناها من ذلك الباب واعلمنا الأول أعني استجارك لزم إثبات الممتنع عندهم وهو إعمال حتى في الضمير فانهم قالوا‏:‏ لا يرتكب ذلك إلا في الضرورة كما في قوله‏:‏

فلا والله لا يلفي أناس *** فتى حتاك يا ابن أبي زياد

ضرورة أن القائلين بأعمال الثاني يجوزن إعمال الأول المستدعى لما ذكر سيما على مذهب الكوفيين المبني على رجحان إعماله ومن جوز إعماله في الضمير يصح ذلك عنده لعدم المحذور حينئذ، ويفهم ظاهر كلام بعض الأفاضل جواز التعلق باستجارك حيث قال‏:‏ لا داعي لتعلقه بأجره سوى الظن أنه يلزم أن يكون التقدير على تقدير التعلق بالأول وإن أحد من المشركين استجارك حتى يسمع كلام الله فأجره حتاه أي حتى السمع وهل يقول عاقل بتوقف تمام قولك إن استأمنك زيد لأمر كذا فآمنه على أن تقول لذلك الأمر كلا فرضنا الاحتياج ولزوم التقدير ولكن ما الموجب لتقدير حتاه الممتنع في غير الضرورة ولم لا يجوز أن يقدر لذلك أوله أو حتى يسمعه أو غير ذلك مما في معناه، وقال آخر‏:‏ إن لزوم الاضمار الممتنع على تقدير إعمال الأول لا يعين إعمال الثاني فلا يخرج التركيب من باب التنازع بل يعدل حينئد إلى الحذف فإن تعذر أيضاً ذكر مظهراً كما يستفاد من كلام نجم الأئمة وغيره من المحققين‏.‏

وقد يقال‏:‏ إن المانع من كونه من باب التنازع انه ليس المقصود تعليل الاستجارة بما ذكر كما أن المقصود تعليل الاجارة به‏.‏ نعم قال شيخ الاسلام ان تعق الإجارة بسماع كلام الله تعالى يستلزم تعلق الاستجارة أيضاً بذلك أو ما في معناه من أمور الدين، وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه انه أتاه رجل من المشركين فقال‏:‏ إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله تعالى أو لحاجة قتل قال‏:‏ لا‏.‏ لأن الله تعالى يقول‏:‏ و‏{‏ءانٍ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ‏}‏ الخ فالمراد بما فيه من الحاجة هي الحاجة المتعلقة بالدين لا ما يعمها وغيرها من الحاجات الدنيوية كما ينبىء عنه قوله أن يأتي محمداً صلى الله عليه وسلم فإن من يأتيه عليه الصلاة والسلام إنما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين انتهى، لكنه ليس بشيء لأن الظاهر من كلام ذلك القائل العموم فيكون جواب الأمير كرم الله تعالى وجهه مؤيداً لما قلناه‏.‏ ويرد على قوله قدس سره أن يأتيه عليه الصلاة والسلام انما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين منع ظاهر فلا يتم بناء الانباء، وجوز غير واحد كون حتى للغاية والخبر المذكور وجزالة المعنى يشهدان بكونها للتعليل بل قال المولى سرى الدين المصري‏:‏ إن جعلها للغاية يأباه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَبْلِغْهُ‏}‏ بعد سماعه وكلام الله تعالى إن لم يؤمن ‏{‏مَأْمَنَهُ‏}‏ أي مسكنه الذي يأمن فيه أوموضع أمنه وهو ديار قومه على أن المأمن اسم مكان أو مصدر بتقدير مضاف والأول أولى لسلامته من مؤنة التقدير، والجملة الشرطية على ما بينه في «الكشف» عطف على قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ ولا حجة في الآية للمعتزلة على نفي الكلام النفي لأن السماع قد ينسب إليه باعتبار الدال عليه أو يقال‏:‏ إن الكلام معقول بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز على الكلام النفسي والكلام اللفظي ولا يلزم من تعين أحدهما في مقام نفي ثبوت الآثر في نفس الأمر، وقد تقدم في المقدمات من الكلام ما يتعلق بهذا المقام فتذكر ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمن أو الأمر ‏{‏بِأَنَّهُمْ‏}‏ أي بسبب أنهم ‏{‏قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏ ما الإسلام وما حقيقة ما تدعوهم إليه أو قوم جهلة فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا ذلك ولا يبقى لهم معذرة أصلاً، والآية كما قال الحسن محكمة‏.‏

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة أنها منسوخة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 36‏]‏ وروى ذلك عن السدي‏.‏ والضحاك أيضاً وما قاله الحسن أحسن، واختلف في مقدار مدة الإمهال فقيل‏:‏ أربعة أشهر وذكر النيسابوري أنه الصحيح من مذهب الشافعي، وقيل‏:‏ مفوض إلى رأي الإمام ولعله الأشبه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عندَ الله وعندَ رسُولِه‏}‏ تبيين للحكمة الداعية لما سبق من البراءة ولو أحقها والمراد من المشركين الناكثون لأن البراءة إنما هي في شأنهم، والاستفهام لإنكار الوقوع، ويكون تامة وكيف في محل النصب على التشبيه بالحال أو الظرف‏.‏

وقال غير واحد‏:‏ ناقصة و‏(‏ كيف خبرها وهو واجب التقديم لأن الاستفهام له صدر الكلام و‏{‏المشركين‏}‏ متعلق بيكون عند من يجوز عمل الأفعال الناقصة بالظروف أو صفة لعهد قدمت فصارت حالاً و‏{‏عِندَ‏}‏ أما متعلق بيكون على ما مر أو بعهد لأنه مصدر أو بمحذوف وقع صفة له، وجوز أن يكون الخبر ‏(‏للمشركين‏)‏ و‏{‏عِندَ‏}‏ فيها الأوجه المتقدمة، ويجوز أيضاً تعلقها بالاستقرار الذي تعلق به ‏{‏لّلْمُشْرِكِينَ‏}‏ أو الخبر ‏{‏عَندَ الله‏}‏ وللمشركين إما تبيين كما في سقيا لك فيتعلق بمقدر مثل أقول هذا الإنكار لهم أو متعلق بيكون وأما حال من عهد أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ويغتفر تقدم معمول الخبر لكونه جاراً ومجروراً، و‏{‏كَيْفَ‏}‏ على الوجهين الأخيرين شبيهة بالظرف أو بالحال كما في احتمال كون الفعل تاماً وهو على ما قاله شيخ الإسلام الأولى لأن في إنكار ثبوت العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار ثبوته للمشركين لأن ثبوته الرابطي فرع ثبوته العيني فانتفاء الأصل يوجب انتفار الفرع رأساً وتعقب بأنه غير صحيح لما تقرر أن انتفاء مبدأ المحمول في الخارج لا يوجب انتفاء الحمل الخارجي لاتصاف الأعياف بالاعتباريات والعدميات حتى صرحوا بأن زيداً عمى قضية خارجية مع أنه لا ثبوت عيناً للعمى وصرحوا بأن ثبوت الشيء للشيء وإن لم يقتض ثبوت الشيء الثابت في ظرف الاتصاف لكنه يقتضي ثبوته في نفسه ولو في محل انتزاعه، وتحقيق ذلك في محله نعم في توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة مال يس في توجيهه إلى ثبوته لأنه إذا انتفى جميع أحوال وجود الشيء وكل موجود يجب أن يكون وجوده على حال فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني أي في أي حال يوجد لهم عهد معتد به عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم يستحق أن يراعى حقوقه ويحافظ عليه إلى تمام المدة ولا يتعرض لهم بحسبه قتلاً وأخذاً‏.‏

وتكرير كلمة عند للإيذان بعدم الاعتداد عند كل من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على حدة ‏{‏إِلاَّ الذين عاهدتم‏}‏ وهم المستثنون فيما سلف والخلاف هو الخلاف والمعتمد هو المعتمد، والتعرض لكون المعاهدة ‏{‏عِندَ المسجد الحرام‏}‏ لزيادة بيان أصحابها والأشعار بسبب وكادتها، والاستثناء منقطع وهو بمعنى الاستدراك من النفي المفهوم المفهوم من الاستفهام الانكاري المتبارد شموله بجميع المعاهدين ومحل الموصول الرفع على الابتداء وخبره مقدر أو هو ‏{‏فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ‏}‏ والفاء لتضمنه معنى الشرط على ما مر و‏{‏مَا‏}‏ كما قال غير واحد إما مصدرية منصوبة المحل على الظرفية بتقدير مضاف أي فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم وإما شرطية منصوبة المحل على الظرفية الزمانية أي أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم وهو أسلم من القيل صناعة من الاحتمال الأول على التقدير الثاني، ويحتمل أن تكون مرفوعة المحل على الابتداء وفي خبرها الخلاف المشهور واستقيموا جواب الشرط والفاء واقعة في الجواب، وعلى احتمال المصدرية مزيدة للتأكيد‏.‏

وجوز أن يكون الاستثناء متصلاً ومحل الموصول النصب أو الجر على أنه بدل من المشركين لأن الاستفهام بمعنى النفي، والمراد بهم الجنس لا المعهودون، وأيا ما كان فحكم الأمر بالاستقامة ينتهى بانتهاء مدة العهد فيرجع هذا إلى الأمر بالاتمام المار خلا أنه قد صرح ههنا بما لم يصرح به هناك مع كونه معتبراً فيه قطعاً وهو تقييد الاتمام المأمور به ببقائهم على ما كانوا عليه من الوفاء، وعلل سبحانه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين‏}‏ على طرز ما تقدم حذو القذة بالقذة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏كَيْفَ‏}‏ تكرير لاستنكار ما مر من أن يكون للمشركين عهد حقيق بالمراعاة عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ لاستبعاد ثباتهم على العهد وفائدة التكرار التأكيد والتمهيد لتعداد العلل الموجبة لمالا ذكرل لا خلال تخلل ما في البين بالارتباط والتقريب؛ وحذف الفعل المستنكر للايذان بأن النفس مستحضرة له مترقبة لورود ما يوجب استنكاره، وقد ثر حذف الفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده، ومن ذلك قوله كعب الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار‏:‏

وخبر تماني أنما الموت في القرى *** فكيف وهاتا هضبة وقليب

يريد فكيف مات والحال ما ذكر، والمراد هنا كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام ‏{‏وَ‏}‏ حالهم أنهم ‏{‏إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي يظفروا بكم ‏{‏لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً‏}‏ أي لم يراعوا في شأنكم ذلك، وأصل الرقوب النظر بطريق الحفظ والرعاية ومنه الرقيب ثم استعمل في مطلق الرعاية، والمراقبة أبلغ منه كالمراعاة، وفي نفي الرقوب من المبالغة ما ليس في نفيهما، وما ألطف ذكر الرقوب مع الظهور و‏{‏الال‏}‏ بكسر الهمزة وقد يفتح على ما روي عن ابن عباس الرحم والقرابة وأنشد قول حسان‏:‏

لعمرك إن الك من قريش *** كال السقب من رأل النعام

وإلى ذلك ذهب الضحاك، وروي عن السدى أنه الحلف والعهد، قيل‏:‏ ولعله بهذا المعنى مشتق من الأل وهو الجوار لأنهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا أصواتهم ثم استعير للقرابة لأن بين القريبين عقدا أشد من عقد التحالف، وكونه أشد لا ينافي كونه مسبهاً لأن الحلف يصرح به ويلفظ فهو أقوى من وجه آخر وليس التشبيه من المقلوب كما توهم، وقيل‏:‏ مشتق من ألل الشيء إذا حدده أو من أل البرق إذا لمع وظهر ووجه المناسبة ظاهر‏.‏

وأخرج ابن المنذر‏.‏ وأبو الشيخ عن عكرمة‏.‏ ومجاهد أن الال بمعنى الله عز وجل، ومنه ما روي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قرىء عليه كلام مسيلمة فقال لم يخرج هذا من أل فأين تذهب بكم‏؟‏ قيل‏:‏ ومنه اشتق الال بمعنى القرابة كما اشتقت الرحمن من الرحمن، والظاهر أنه ليس بعربي إذ لم يسمع في كلام العرب ال بمعنى اله‏.‏ ومن هنا قال بعضهم انه عبري ومنه جبرال‏:‏ وأيده بأنه قرىء إيلا وهو عندهم بمعنى الله أو الاله أي لا يخافون الله ولا يراعونه فيكم‏.‏ والذمة الحق الذي يعاب ويذم على اغفاله أو العهد، وسمي به لأن نقضه يوجب الذم، وهي في قولهم في ذمتي كذا محل الالتزام ومن الفقهاء من قال‏:‏ هو معنى يصير به الآدمي على الخصوص أهلا لوجوب الحقوق عليه، وقد تفسر بالأمان والضمان وهي متقاربة، وزعم بعضهم أن الال والذمة كلاهما هنا بمعنى العهد والعطف للتفسير، ويأباه إعادة لا ظاهراً فليس هو نظير‏:‏

فالفي قولها كذبا ومينا *** فالحق المغايرة بينهما، والمراد من الآية قيل‏:‏ بيان أنهم اسراء الفرصة فلا عهد لهم، وقيل‏:‏ الإرشاد إلى أن وجوب مراعاة حقوق العهد على كل من المتعاهدين مشروط بمراعاة الآخر لها فإذا لم يراعها المشركون فكيف تراعونها فهو على منوال قوله‏:‏

علام تقبل منهم فدية وهم *** لا فضة قبلوا مناولا ذهبا

ولم أجد لهؤلاء مثلا من هذه الحيثية المشار إليها بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا‏}‏ الخ إلا أناسا متزينين بزي العلماء وليسوا منهم ولا قلامة ظفر فافهم معي وحسبي الله وكفى على هذا الطرز فرفعهم الله تعالى لا قدراً وحطهم ولا حط عنهم وزراً وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يُرْضُونَكُم بأفواههم وتأبى قُلُوبُهُمْ‏}‏ استئناف للكشف عن حقيقة شؤونهم الجلية والخفية دافع لما يتوهم من تعليق عدم رعاية العهد بالظفر أنهم يراعونه عند عدم ذلك حيث بين فيه أنهم في حالة العجز أيضاً ليسوا من الوفاء في شيء وإن ما يظهرونه أخفاهم الله تعالى مداهنة لا مهادنة، وكيفية ارضائهم المؤمنين أنهم يبدون لهم الوفاء والمصافاة ويعدونهم بالإيمان والطاعة ويؤكدون ذلك بالأيمان الفاجرة والمؤمن غر كريم إذا قال صدق وإذا قيل له صدق ويتعللون لهم عند ظهور خلاف ذلك بالمعاذير الكاذبة‏.‏

وتقييد الارضاء بالأفواه للإيذان بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم، وأكد هذا بمضمون الجملة الثانية وزعم بعضهم أن الجملة حالية من فاعل ‏{‏يَرْقُبُواْ‏}‏ لا استئنافية، ورد بأن الحال تقتضي المقارنة والارضاء قبل الظهور الذي هو قبل عدم الرقوب الواقع جزاء فاين المقارنة، وأيضاً أن بين الحالتين منافاة ظاهرة فإن الارضاء بالافواه حالة إخفاء الكفر والبغض مداراة للمؤمنين وحالة عدم المراعاة والوقوف حالة مجاهدة بالعداوة لهم وحيث تنفيا لا معنى لتقييد إحداهما بالأخرى ‏{‏وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون‏}‏ خارجون عن الطاعة متمردون لا عقيدة تزعهم ولا مروءة تردهم وتخصيص الأكثر لما في بعض الكفرة من التحامي عن العذر والتعفف عما يجر أحدوثة السوء، ووصف الكفرة بالفسق في غاية الذم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏اشْتَرَوْاْ بئايات الله‏}‏ أي المتضمنة للأمر بايفاء العهود والاستقامة في كل أمر أو جميع آياته فيدخل فيها ما ذكر دخولاً أولياً، والمراد بالاشتراء الاستبدال، وفي الكلام استعارة تبعية تصريحية ويتبعها مكنية حيث شبهت الآيات بالشيء المبتاع، وقد يكون هناك مجاز مرسل باستعمال المقيد وهو الاشتراء في المطلق وهو الاستبدال على حد ما قالوا في المرسن أي استبدلوا بذلك ‏{‏ثَمَناً قَلِيلاً‏}‏ أي شيئاً حقيراً من حطام الدنيا وهو أهواؤهم وشهواتهم التي اتبعوها والجملة كما قال العلامة الطيبي مستأنفة كالتعليل لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 8‏]‏ فيه أن من فسق وتمرد كان سببه مجرد اتباع الشهوات والركون إلى اللذات، وفسر بعضهم الثمن القليل بما أنفقه أبو سفيان من الطعام وصرفه إلى الاعراب ‏{‏فَصَدُّواْ‏}‏ أي عدلوا وأعرضوا على أنه لازم من صد صدوداً أو صرفوا ومنعوا غيرهم على أنه متعد من صده عن الأمر صدا، والفاء للدلالة على أن اشتراءهم أداهم إلى الصدود أو الصد ‏{‏عَن سَبِيلِهِ‏}‏ أي الدين الحق الموصل إليه تعالى، والإضافة للتشريف، أو سبيل بيته الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه، فالسبيل إما مجاز وإما حقيقة، وحينئذ إما أن يقدر في الكلام مضاف أو تجعل النسبة الإضافية متجوزاً فيها ‏{‏إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ أي بئس ما كانوا يعملونه أو عملهم المستمر، والمخصوص بالذم محذوف‏.‏

وقد جوز أن يكون كلمة ساء على بابها من التصرف لازمة بمعنى قبح أو معتدية والمفعول محذوف أي ساءهم الذي يعملونه أو عملهم، وإذا كان جارية مجرى بئس تحول إلى فعل بالضم ويمتنع تصرفها كما قرر في محله

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً‏}‏ نعى عليهم عدم مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الاطلاق بخلاف الأول لمكان ‏{‏فيكُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 8‏]‏ فيه‏.‏ و‏{‏في مُؤْمِنٍ‏}‏ في هذا فلا تكرار كما في المدارك، وقيل‏:‏ إنه تفسير لما ‏{‏يعملون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 9‏]‏، وهو مشعر باختصاص الذم والسوء لعملهم هذا دون غيره، وقيل‏:‏ إن الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والاعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم للاستعانة بهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه فالمراد بالآيات ما يشمل القرآن والتوراة، وفي هذا القول تفكيك للضمائر وارتكاب خلاف الظاهر‏.‏ والجبائي يخص هذا باليهود وفيه ما فيه ‏{‏وَأُوْلئِكَ‏}‏ أي الموصوفون بما عدد من الصفات السيئة ‏{‏هُمُ المعتدون‏}‏ المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِن تَابُواْ‏}‏ عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم كنقض العهد وغيره، والفاء للإيذان بأن تقريعهم بما نعى عليهم من فظائع الأعمال مزجرة عنها ومظنة للتوبة ‏{‏وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة‏}‏ على الوجه المأمور به ‏{‏فإخوانكم‏}‏ أي فهم اخوانكم ‏{‏فِى الدين‏}‏ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، والجار والمجارور متعلق باخوانكم كما قال أبو البقاء لما فيه من معنى الفعل، قيل‏:‏ والاختلاف بين جواب هذه الشرطية وجواب الشرطية السابقة مع اتحاد الشرط فيهما لما أن الأولى سيقت إثر الأمر بالقتل ونظائره فوجب أن يكون جوابها أمراً بخلاف هذه، وهذه سيقت بعد الحكم عليهم بالاعتداء وأشباهه فلا بد من كون جوابها حكماً البتة، وهذه الآية أجلب لقلوبهم من تلك الآية إذ فرق ظاهر بين تخلية سبيلهم وبين إثبات الأخوة الدينية لهم، وبها استدل على تحريم دماء أهل القبلة، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجاء في رواية ابن جرير‏.‏ وأبي الشيخ عنه أنها حرمت قتال أو دماء أهل الصلاة والمآل واحد، واستدل بها بعضهم على كفر تارك الصلاة إذ مفهومها نفي الأخوة الدينية عنه، وما بعد الحق إلا الضلال، ويلزمه القول بكفر مانع الزكاة أيضاً بعين ما ذكره، وبعض من لا يقول باكفارهما التزم تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالتزامهما والعزم على إقامتهما ولا شك في كفر من لم يلتزمهما بالاتفاق‏.‏

وذكر بعض جلة الأفاضل أنه تعالى علق حصول الأخوة في الدين على مجموع الأمور الثلاثة التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والمعلق على الشيء بكلمة ‏{‏ءانٍ‏}‏ ينعدم عند عدم ذلك الشيء فيلزم أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا تحصل الأخوة في الدين وهو مشكل، لأن المكلف المسلم لو كان فقيراً أو كان غنياً لكن لم ينقض عليه الحول لا يلزمه إيتاء الزكاة فإذا لم يؤتها فقد انعدم عنه ما توقف عليه حصول أخوة الدين فيلزم أن لا يكون مؤمناً، إلا أن يقال‏:‏ التعليق بكلمة ‏{‏ءانٍ‏}‏ إنما يدل على مجرد كون المعلق عليه مستلزماً ما علق عليه ولا يدل على انعدام المعلق عليه بانعدامه بل يستفاد ذلك من دليل خارجي لجواز أن يكون المعلق لازماً أعم فيتحقق بدون تحقق ما جعل ملزوماً له، ولو سلم أن نفس التعليق يدل على انعدام المعلق عند انعدام المعلق عليه، لكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك أن لا يكون المسلم الفقير مؤمناً بعدم إيتاء الزكاة وإنما يلزم ذلك أن لو كان المعلق عليه ايتاؤها على جميع التقادير وليس كذلك، بل المعلق عليه هو الايتاء عند تحقق شرائط مخصوصة مبينة بدلائل شرعية انتهى‏.‏

وأنت تعلم ما في القول بمفهوم الشرط من الخلاف والحنفية يقولون به، والظاهر أن هذا البحث كما يجري في إيتاء الزكاة يجري في إقامة الصلاة‏.‏ واستدل ابن زيد باقترانهما على أنه لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة‏.‏

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزل فلا صلاة له ‏{‏وَنُفَصّلُ الايات‏}‏ أي نبينها، والمراد بها إما ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين من الناكثين وغيرهم وأحكامهم حالتي الكفر والإيمان واما جميع الآيات فيندرج فيها تلك الآيات اندراجاً أولياً ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ ما فصلنا أو من ذوي العلم على أن الفعل متعد ومفعوله مقدر أو منزل منزلة اللازم، والعلم كما قيل كناية عن التأمل والتفكر أو مجاز مرسل عن ذلك بعلاقة السببية، والجملة معترضة للحث على التأمل في الآيات وتدبرها

وقوله تعالى‏:‏